عطر البادية ونحن نحتفل باليوم العالمي للإذاعة، لا يمكن إلا أن نتساءل عن سر استمرار هذا الاختراع العجيب الذي يعتمد على حاسة الاستماع والتخيل أمام التحديث الذي عرفه مجال التواصل والإعلام، تطور رافقته التوقعات بزوال الإذاعة وانسحابها أمام الوسائط الجديدة، لكن يبدو أن قدرة الإذاعة على التأقلم والصمود تغلبت على التطور وخالفت كل التوقعات والتحديات. ونحن نخلد اليوم العالمي للإذاعة لا نملك إلا أن نحتفي بالتجارب الرائدة والناجحة عبر الأثير، وقد اخترت لدواعي ذاتية وموضوعية تجربة برنامج ''ريحة الدوار'' الذي يعده ويقدمه الإعلامي والفكاهي محمد عاطر، مشاطرا شغف الجمهور العريض من المتتبعين، ومنضما للمندهشين والمتسائلين كيف استطاع برنامج إذاعي أن يصمد كل هذه السنوات؟ وكيف تمكن من تصدر المشهد الإعلامي لدى فئة متطلبة من المستمعين الملتصقين بجذورهم البدوية أو الذين اكتشفوا من خلاله عوالم جديدة؟ وكيف لفت انتباه الطبقة المثقفة الباحثة عن منتوج إعلامي يفتح النوافذ المغلقة، وينير بعض الزوايا المظلمة للثقافة الشعبية، وخاصة تلك التي ترتبط بالبادية المغربية؟ البرنامج رحلة ممتعة في تاريخ وجغرافية البادية المغربية، يعطي الكلمة لرجال ونساء الدوار، فهم ضيوفه وأبطاله، يتحدث بلسانهم ويتماهى مع خصوصياتهم الثقافية والاجتماعية، من خلال الاحتفاء بالتراث اللامادي والموروث الثقافي لهذه البادية، مما يجعلنا بصدد مادة إذاعية ترفيهية ممتعة ووثيقة ومادة يمكن تناولها دون شك من زاوية الدارس والباحث، رغم بساطة وعفوية مضامين وأسلوب البرنامج، لأن هذه البساطة والعفوية والشغف في تصوري من أسرار نجاح واستمرار هذه التجربة، يضاف إليها تحكم واضح في بنية الحلقات وإيقاعها، أما السخرية والفكاهة فهي عنصر القوة في البرنامج، فمحمد عاطر هو بالأساس ممثل مسرحي وفنان كوميدي موهوب، يستطيع أن يحول موقفا أو حوارا عاديا إلى موقف كوميدي، ويجد الضحك والنكتة بسلاسة وتلقائية، بما اكتسبه لدى ضيوف البرنامج من مصداقية وقبول...هذه في نظري المتواضع - من خلال تتبعي لهذه التجربة الإعلامية - بعض أسرار استمرار ونجاح ''ريحة الدوار''، لكنني أعتقد أن مفاتيح وأسرار هذا العالم الجميل لا يملكها إلا معد ومقدم البرنامج، الذي استطاع خلال هذه الرحلة التي امتدت حتى الآن لما يقارب الثلاثة عشر سنة أن يراكم أدوات ومفاتيح التجدد والاستمرار بعيدا عن الرتابة والتكرار.